حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
240
شاهنامه ( الشاهنامه )
ودخل الغيضة . فأحدقت به الخنازير ، وهي كالفيلة الهائجة توسط بأنيابها الأشجار ، وتقطعها . فوثب واحد منها عليه ومزق درعه . فرماه بمزراق كان معه فأصاب دماغه وخرّ ميتا كأنه خباء مقوّض . ففزع بذلك باقي الخنازير وقع بيژن فيها وقتل منها كثيرا ، وقلع من أنيابهن جملة ليحملها إلى الملك . فركب جرجين ودخل الغيضة خلفه حتى انتهى اليه . خداع جرجين لبيژن فلما رأى ما أبلاه في قتل تلك السباع عظم عليه صنيعه ، وحسده على حتى حمله الحسد على قصد اغتياله . ثم إنه أخذ يستحسن فعله ويمدحه ويثنى عليه ويصفه وبالقوّة والشجاعة والجرأة والشهامة . ثم خرجا من الغيضة وقعدا معا يتحدّثان ويتفاكهان ، والحسد في قلب جُرجين يعمل عمله . فقال لبيژن : إن على مسافة يومين من هذا المكان مروجا ورياضا يناصى البهار بها الأقحوان ، ويعانق فيها النرجس الضميرَان . ومن وصفها كيت كيت . وجعل يصفها ويذكر طيب هوائها وعذوبة مائها حتى جعلها في عينه كبعض الجنان . ثم ذكر له أن ابنة أفراسياب التي تسمى منيژة تخرج في كل سنة في فصل الربيع إلى تلك الرياض مع الجواري الملاح والمغانى الصباح ، وفتضرب خيمها في أرجائها ، وتقوم مستمتعة بطيبها . قال : وإني وصلت إليها مرارا مع رستَم وطوس وكُستهَم وجِيو وغيرهم من الأكابر . وكم سبينا عنها من أقمار الترك وشموسها . فإن رأيت أن نصير إليها وسنبي منها صفايا نهديها إلى حضرة الملك فافعل . فأخذ قوله بقلب بيژن ومنعه الترف وغيرة الشاب عن التفطن لما أضمره جُرجين من الداء الدفين . وكان مع ذلك شابا مولعا بالسناء شديد الميل إلى مفاكهتهن . فأجابه إلى ما دعاه اليه وأقام في مكانه مشتغلا باللهو والطرب والصيد والطرد إلى أن علم جرجين بوصول انبة أفراسياب إلى ذلك المكان . فأشار حينئذ عليه بالركوب . ذهاب بيژن لرؤية منيژة ابنة أفراسياب فسارا يومين فلما قربا من المكان قال بيژن لجرجين : أنا أتقدّمك وأبصر من نزل في المكان ثم أرجع وأعملك . ولبس ثياب الوشى وتمنطق بمنطقة الذهب ، ووضع على رأسه تاجا كان يلبسه في مجالس الأنس ، فتوجه نحو المكان كالقمر الأزهر . فلما انتهى اليه رأى شجرة وسرو بقرب خيمة ابنة أفراسياب ، فنزل في ظلها . فلحظته من خيمها فرأت منه قمرا منيرا وشابا نضيرا وملكا كبيرا فبهتت بجماله وبهائه وكماله . فعشقته في الوقت وقالت لدايتها : اذهبي وانظرى من ذلك القاعد تحت ظل تلك الشجرة ، وسليه المجيء إلى ضيافتنا والنزول في خيمتنا ، وقولي : إنك بحسنك فتنت القلوب ، وملكت العيون . فجاءته المرأة وخدمت وقبلت الأرض بين يديه ، وسايلته عن اسمه وعن حاله ، وبلغته الرسالة . فقال لها : أنا بيژن بن جيو . وقد خرجت إلى هذه الناحية لصيد السباع ، فسمعتُ بحضور الملكة في هذا المكان فحضرت لأقر